علي بن محمد البغدادي الماوردي
82
أدب الدنيا والدين
وإن صانك العلم الذي قد حملته * أتاك له من يجتنيه ويحمله وإذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد وإذا سهل من وجه فلا تطلب ما صعب وإذا حمدت من خبرته « 1 » فلا تطلب من لم تختبره فإن العدول عن القريب إلى البعيد عناء وترك الأسهل بالأصعب بلاء والانتقال من المخبور إلى غيره خطر وقد قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : عقبى الأخرق « 2 » مضرة والمتعسف « 3 » لا تدوم له مسرة وقال بعض الحكماء : القصد « 4 » أسهل من التعسف والكف أودع « 5 » من التكلف وربما يتبع الانسان من بعد عنه استهانة بمن قرب منه وطلب ما صعب احتقارا لما سهل عليه وانتقل إلى من لم يخبره مللا لمن خبره فلا يدرك محبوبا ولا يظفر بطائل وقد قالت العرب في أمثالها : العالم كالكعبة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء وأنشدني بعض شيوخنا لمسيح بن حاتم : لا ترى عالما يحل بقوم * فيحلوه « 6 » غير دار الهوان قلما توجد السلامة والص - * حة مجموعتين في إنسان فإذا حلتا مكانا سحيقا « 7 » * فهما في النفوس معشوقتان هذه مكة العزيزة بيت * اللّه يسعى لحجها الثقلان وترى أزهد البرية في ألح - * ج لها أهلها لقرب المكان ( فصل ) فأما ما يجب أن يكون عليه العلماء من الأخلاق التي بهم أليق ولهم ألزم فالتواضع ومجانبة العجب لأن التواضع عطوف « 8 » والعجب منفر وهو بكل أحد قبيح وبالعلماء أقبح لأن الناس بهم يقتدون وكثيرا ما يداخلهم
--> ( 1 ) خبرته : جربته واختبرته ، وبابه قتل وعلم . ( 2 ) الأخرق : الأحمق . ( 3 ) والمتعسف : المائل عن الطريق ، والخارج عنه . ( 4 ) القصد : السلوك في الطريق المستقيم وإن بعد . ( 5 ) أودع : أسكن له . يقال : ودع الشيء إذا سكنته واستقر . ( 6 ) فيحلوه : أي ينزلوه . ( 7 ) سحيقا : بعيدا . ( 8 ) عطوف : أي محبّب ، يجلب عطف الناس .